ساسي سالم الحاج

175

نقد الخطاب الاستشراقي

حاول المستشرقون وصف غزوات الرسول الأولى وحتى بعد معركة بدر الكبرى بأنها كانت تتم من قبل المهاجرين . وكان وجود الأنصار فيها قليلا جدّا حتى يؤكد « وات » أنه ليس أكيدا أن أهل المدينة قد قاموا بدور في هذه الغزوات ولكن يمكن أن يكونوا قد اشتركوا فيها « 1 » . ثم يستمر المستشرقون في استنباط العديد من النتائج عن طريق استقرائهم نتائج معركة بدر ، والعناصر التي اشتركت فيها ، وإقرار نصيب الرسول من غنائم الغزوات التي تصل إلى خمسها . وهذا التغيّر يرونه حاسما باعتباره اعترافا بقيادة محمد للأمة . وقد كان من عادة العرب في الجاهلية أن يأخذ شيخ القبيلة ربع الغنيمة وذلك لاستهلاكه الخاص ولكي يستطيع القيام ببعض المهمات باسم القبيلة كمساعدة الضعفاء وقرى الضيف ، واستبدال الخمس بالربع يدل على الفرق بين زعيم أمة وزعيم قبيلة « 2 » . ونحن بعد أن عرضنا استقراء المستشرقين حول قيادة محمد العسكرية ، نود دحض هذه الشبهة من عدة جوانب منها : أن بيعة العقبة الأولى قد تضمّنت ألّا يشرك المبايعون باللّه شيئا ، ولا يسرقوا ولا يزنوا ، ولا يقتلوا أولادهم ولا يأتوا ببهتان يفترونه بين أيديهم ولا أرجلهم ولا يعصوه في معروف ، فإن وفوا بذلك فلهم الجنة . وأطلقت المصادر الإسلامية على هذه المبايعة « بيعة النساء » وذلك قبل أن تفرض عليهم الحرب « 3 » . أما بيعة العقبة الثانية فقد تضمنت أن يمنع الأنصار الرسول مما يمنعون منه نساءهم وأبناءهم « 4 » وهذه البيعة تدل على تعهّد الأنصار بالدفاع عن الرسول وحمايته ، وعدم خذلانه أو تسليمه لأعدائه ، وبمعنى آخر تتضمن تعهّد الأنصار بالدّفاع عنه لا مساندته في الهجوم على أعدائه وهو ما ذهب إليه المستشرقون في استقراءاتهم بالخصوص . غير أنه لو فحصنا الروايات الإسلامية لوجدناها تتحدث عن هذه البيعة باعتبارها بيعة حرب بمعنى أنها تشمل الدفاع والهجوم على حدّ سواء حسب مقتضى الحال . وآية ذلك أن ابن إسحاق يورد عن عاصم بن عمر بن قتادة أن القوم لمّا اجتمعوا لبيعة رسول اللّه ،

--> ( 1 ) مونتجمري وات ، محمد في المدينة ، المرجع السابق ، ص 352 . ( 2 ) رودنسون ، محمد ، المرجع السابق بالفرنسية ص 194 - 195 . وهو نفس المعنى الذي ذهب إليه وات . ( 3 ) ابن هشام ، سيرة ابن هشام ، المرجع السابق ، الجزء الثاني ، ص 431 . ( 4 ) المرجع السابق ، ص 442 .